الريدبيلية والنسوية ... وجهان لعملة واحدة

 في زمنٍ تاهت فيه المفاهيم، وارتفعت فيه الشعارات أكثر من القيم، برزت حركتان تبدوان في الظاهر متضادتين: النسوية التي ترفع شعار “تحرير المرأة”، والريدبيلية التي تدّعي “استعادة الرجل لمكانته”. غير أنّ المتأمل في جوهرهما يجد أنهما وجهان لعملة واحدة، يجتمعان في نقض الفطرة، وتفكيك الأسرة، وإبعاد الإنسان عن المنهج الرباني الذي جعله الله ميزانًا للعدل والرحمة بين الجنسين.

لقد جاء الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا ليقيم ميزان العلاقة بين الرجل والمرأة على المودة والرحمة، لا على الصراع والتنافس. قال الله تعالى:

"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [الروم: 21]

هذه الآية وحدها كفيلة بأن تُسقط كل دعوى قائمة على الحرب بين الجنسين، فالعلاقة في أصلها سكن ورحمة، لا خصومة وعداء.

أما النسوية الحديثة، فقد تجاوزت المطالبة بالعدالة إلى التمرد على الفطرة، فبدل أن ترفع مكانة المرأة بالعلم والعفة، دفعتها نحو التبرج والتمرد على الأنوثة، حتى صارت تظن أن التشبه بالرجل حرية، وأن خلع الحياء تحرر. وقد قال النبي ﷺ:

"لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء" [صحيح البخاري-5885]

ومن رحم هذا الانحراف، خرجت الريدبيلية كردة فعل معاكسة، لا تقل فسادًا عما سبقها، إذ حملت مشاعر الحقد والانتقام ضد النساء، وبدأت تنظر إلى العلاقة بين الجنسين كحرب باردة لا نهاية لها، تدعو فيها إلى قسوة الرجل وجفائه، وإلى احتقار المرأة بدعوى استعادة “الهيمنة الذكورية”. وهكذا، سقط الطرفان في فخٍّ واحد، حيث يُغذّي كلٌّ منهما الآخر، ويبرر وجوده بوجود الآخر، حتى استُدرجت الأمة المسلمة إلى معركة ليست معركتها.

كلا الفكرين دخيلان على المسلمين، تغذيهما الرأسمالية المتوحشة التي لا ترى في الرجل والمرأة سوى أدوات استهلاك. تُثير الصراع بينهما لتبيع، وتُفسد الفطرة لتربح، وتُفرغ الحياة من معناها الروحي لتملأ الجيوب من جيوب المضلّلين. وما علم أولئك أن الإسلام قد سبقهم جميعًا، حين أقام العدل لا بالمساواة الشكلية، بل بتكامل الأدوار، فجعل القوامة تكليفًا لا تشريفًا، والحياء زينة لا ضعفًا، والأمومة رسالة لا عبئًا.

لقد أراد الله للرجل أن يكون قوّامًا بالعدل، وللمرأة أن تكون سكنًا بالرحمة، لا أن يتبادلا الأدوار، ولا أن يتصارعا على القيادة. قال تعالى:

"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ"[النساء:34]

فمن خرج عن هذا التوازن، خرج عن حكمة الخالق، ووقع في فوضى الفكر والهوى.

إن الريدبيلية والنسوية، رغم اختلاف الأسماء والشعارات، تلتقيان في هدفٍ واحد: إضعاف الأسرة المسلمة، وتشويه معاني الأنوثة والرجولة التي أرساها الوحي. والنجاة من هذا التيه لا تكون إلا بالعودة إلى المنهج الرباني، الذي جمع بين العدل والرحمة، والقوة واللين، والعقل والعاطفة، في توازن لا يصنعه إلا الإيمان.

فليعد كلٌّ من الرجل والمرأة إلى موقعه الذي أراده الله، لا موقع الإعلام ولا أهواء الغرب، فالسعادة الحقيقية لا تُبنى على صراع، بل على طاعةٍ تُثمر سكينة، ومودةٍ يُباركها الله، وسكنٍ يظلله الإيمان.

أحدث أقدم